فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 565
الخبث فيعزلونه، ويصطفون الخالص من المعدن، ومن هذا أطلق العرب لفظ"الفتنة"ومشتقّاتها على الإحراق بالنار، أو العرض على النار، سواء أكان للاختبار والامتحان، أم كان للتعذيب والإكراه على فعل أمر أو ترك أمر.
ولمّا كانت الأشياء المحبوبة المرغوبة للنفوس إذا امتحن الإنسان بها مال إليها، وتعلّق بها، كالنّساء والأموال والبنين، فتنكشف بالامتحان استقامته، أو ميله وعجزه عن المقاومة، أطلق العرب عليها أنّها فتنة.
وكذلك الأشياء المكروهة الّتي تنفر النفوس منها، وتميل عنها، تسمّى"فتنة"أيضا، باعتبارها من الأشياء التي يحصل بها الامتحان.
وأطلق العرب"الفتنة"على مجرّد الميل والإعجاب. وقالوا:"فتن فلان"إذا ذهب عقله بالشيء الذي فتنة فمال إليه.
وقالوا: فتن فلان، وافتتن، وافتتن، إذا لم يصمد في الامتحان، بل سقط فيه، ولم تظهر من معدنه القوّة ولا الاستقامة تجاه ما امتحن به.
فبالتوسّع أطلقت الفتنة ومشتقّاتها على وسيلة الامتحان، وعلى العرض على النار، وعلى الإحراق بها، وعلى السّقوط في الامتحان وعدم النجاح، وهو من إطلاق السّبب على المسبّب، أو من إطلاق الوسيلة على إحدى الغايتين فقط، وهي السقوط والخيبة.
فمعنى قول اللّه تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ: ولقد امتحنّا سليمان واختبرناه وابتليناه، وجاء التأكيد بعبارة: لَقَدْ لدفع توهّم أنّ الأنبياء والمرسلين لا يمتحنون بسبب العصمة الّتي عصمهم اللّه عزّ وجلّ بها، بل يمتحنون بشدّة، ولكن في حدود مرتبتي الأبرار والمحسنين، لا في حدود مرتبة المتّقين، إذ هم في حدود مرتبة المتقين معصومون، وعلى النّاس أن يتأسّوا بهم فيها.