فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 569

جسدا، يدلّ على أنّه لا يأكل ولا يعاشر النّساء، فهو ليس جنّيّا، لأنّ الجنّ كالإنس يأكلون ويشربون ويعاشرون النّساء، وليس وثنا، لأنّه لو كان وثنا أو دمية لاكتشف سليمان أمره سريعا، ولمّا كان في الأمر اختبار له.

وفي معرض طلب المشركين أن يكون الرّسول ملكا معترضين على بشريّته، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) بعد بيان أنّ الرّسل جميعا رجال يوحي اللّه إليهم:

وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ... (8) .

وهذا ينطبق على الملائكة، فهم أجساد نورانية، لا يأكلون الطعام، وليس لهم سائر الصّفات الحيوانيّة البشرية، لكنّهم مخلوقات نورانيّة، قد يتشكّلون بالأشكال الجسديّة بقدرات أعطاهم اللّه عزّ وجلّ إيّاها.

فالظاهر من كون اللّه تبارك وتعالى ألقاه على كرسيّ سليمان، ومن تسميته جسدا، أنّه ملك أنزله اللّه بأمره، فتشكّل جسدا على صورة سليمان، وتمّ به امتحان سليمان في خصوص كرسيّ ملكه، ولا أحد من النّاس غير سليمان يدري بالأمر.

ولسنا بحاجة بعد هذا لمعرفة تفصيلات رجعة كرسيّ الملك إليه، وإنهاء حادثة الامتحان، ويكفي أن ينصرف هذا الجسد عنه، ليجده سليمان عليه السّلام فارغا، فيلبس لباس الملك كعادته، ويجلس عليه في الأوقات الّتي اعتاد أن يجلس عليه فيها.

* قوله تعالى: ... ثُمَّ أَنابَ (34) : يدلّ على أنّه قد مضت مدّة على سليمان كان فيها هائما شاردا، حتّى أناب إلى ربّه، واستغفر، فغفر اللّه له، فأعاده إلى ما كان عليه من الملك والسّلطان.

لقد أدرك سليمان عليه السّلام بعد مدّة أنّه ارتكب بعض أخطاء لا تليق بمثله وهو نبيّ ورسول، وأنّه كان ينبغي له أن يحافظ على كمال مرتبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت