فهرس الكتاب

الصفحة 1925 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 570

المحسنين المقرّبين، ولا ينزل في بعض أعماله وتصرّفاته إلى مرتبة الأبرار أو المتقين، فأناب إلى ربّه.

وهذه الإنابة القلبية الّتي أنابها من أعماق كيانه، رافقها أن صرف اللّه الشّبيه من الملائكة المتجسّد على مثال صورة سليمان، وعاد سليمان عليه السّلام إلى كرسيّه ملكا، والناس لم يعرفوا شيئا، لأنّهم لم يفرّقوا بين الشّبيه المماثل والأصل، إلّا أن زوجاته ربّما استنكرت أنّه انقطع عنهنّ وهو المولع بالنّساء.

وإذ أناب سليمان عليه السّلام إلى ربّه إنابة صحيحة صادقة، قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي.

وأدرك أنّ الملك عرضة للسّلب بطرفة عين متى شاء اللّه سلبه، وهو يعلم أنّ الملك بيد اللّه يؤتيه من يشاء، وينزعه ممّن يشاء، فأتمّ دعاءه لربّه قائلا:

وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) .

أي: وهب لي ملكا لا أسلبه في حياتي، ولا ينبغي مثله لأحد من بعدي، فدلّت عبارة: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي على الأمرين معا، أمّا أحدهما فبصريح اللّفظ، وأمّا الآخر فبلازمه الذّهني، لأنّه إذا كان لا ينبغي هو أو مثله لأحد من بعد حياته، فرغبته في بقاء ملكه له طوال حياته مضمّنّة في الدّعاء لزوما ذهنيّا، ومن"باب أولى"فلا داعي لحمل العبارة على أحدهما فقط: إذ الآخر مفهوم بدلالة اللّزوم الذهنيّ كما ذكرت.

وبناء على المعنى الّذي يدلّ عليه منطوق اللّفظ ترك الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم العفريت من الجنّ الّذي أمكنه اللّه عزّ وجلّ منه، لئلا يشارك سليمان عليه السّلام ببعض خصائص ملكه في التّسلّط على الجنّ، فيتوهّم النّاس عدم تفرّد سليمان بما خصّه اللّه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت