معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 573
أي: وسخّرنا له الشّياطين بسلطان جعلناه له عليهم، فهو يستخدم من يشاء منهم في بناء القصور والقلاع الحصينة، ويستخدم من يشاء منهم في الغوص في البحار، ليستخرجوا له من كنوز البحر وجواهره ما يريد.
وقد جعل اللّه له سلطانا على العصاة منهم، فيقيّدهم في الأصفاد، ويؤدّبهم بالإذلال والتّعذيب، وهم من مردة الجنّ.
وَالشَّياطِينَ: الشياطين جمع شيطان، على وزن"فيعال"من فعل"شطن"أي: بعد. والشيطان في اللّغة: كلّ عات متمرّد من الجنّ والإنس والدّواب، وهو اسم جنس يقع على كلّ مغو مضلّ متمرّد مفسد من الجنّ والإنس.
يقال لغة: شطن يشطن شطنا، وهذا الفعل يأتي بمعنيين:
الأوّل: بمعنى بعد، تقول شطن عنه، أي: بعد، وأشطنه أي: أبعده.
الثاني: بمعنى شدّ بالشّطن، وهو الحبل الذي يشطن به الدّلو في البئر، ويجمع على"أشطان".
ولمّا كان الشيطان اللّعين بعيدا عن الحقّ، ومبعدا عنه بالوسوسة والإغراء والإغواء، وكانت له"أشطان"أي: حبائل للإغواء، كان حريّا بهذا الاسم.
والشياطين المسخّرة لسليمان هم شياطين الجنّ، فهم الّذين خصّ اللّه عزّ وجلّ سليمان عليه السّلام بالتسلّط عليهم، فيستخدم فريقا منهم ذوي مهارة في العمران وقدرة عليه في البناء، ويستخدم فريقا آخر منهم ذوي مهارة وقدرة على الغوص في البحار، فيكلّفهم الغوص ليستخرجوا له ما في البحار من كنوز، ومن عصاه منهم قيّده بالسّلاسل وسجنه، ووجّه له عذابا مهينا.