معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 579
الشدائد، فتغيّر قلبه عن اللّه، وانطلق لسانه بالتّسخّط على مقادير اللّه، والطّعن في حكمته.
فشاء اللّه عزّ وجلّ أن يباهي بعبده أيّوب في امتحان الصّبر، كما باهى به في امتحان الشكر.
فبعث اللّه جلّت حكمته على أمواله غزاة، فسلبوها من جهات مختلفات، فلم يبق له أنعام ولا رقيق، ولا غلمان خدمة، حتّى أبناؤه وبناته لم يجد لهم أثرا، ويظهر أنّهم تعرّضوا للأسر مع من سلب من غلمانه ورقيقه.
ثمّ أنزل اللّه جلّت حكمته به الأوجاع، فابتلاه بالمرض، ومكّن الشيطان من أن يتعرّض له بما يغريه بسوء الظّنّ في اللّه، وبما يحرّضه على أن يطلق لسانه بالتسخّط على اللّه، واتّهامه في حكمته بما أنزل به من بلاء، على الرّغم من استقامته في أيّام امتحانه بالنعمة والصّحّة، وكثرة الأحباب والأنصار والأولياء.
وطال به المرض، وتراكبت عليه البلايا والآلام، وابتعد عنه كلّ الّذين كانوا حوله يردون من مورده العذب أيّام نعمته وصحّته وعطاءاته الكثيرات.
ولم يبق حوله غير زوجته الوفيّة، الّتي تأتي لخدمته وطعامه وشرابه، مع كلّ ما فيه من بلاء.
قالوا: وكانت زوجته تعمل بالخدمة عند الناس، لتشتري له ما يأكله، ولم تجد في بعض الأيّام عملا، فاضطّرّت أن تبيع ضفيرتي شعرها لبعض نساء الأثرياء، من اللّواتي يحببن أن يتزيّنّ بالشّعر الطويل، لتجلب له طعامه، فسألها أيّوب عليه السّلام كعادته: من أين جلبت هذا الطّعام؟
فأخبرته، فساءه ما فعلت، وحلف ليضربنّها مائة ضربة بالسّوط، متى استطاع أن يفعل ذلك، وقيل غير ذلك واللّه أعلم.