معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 580
ولمّا طال عليه البلاء، واشتدّت عليه إغراءات الشيطان ووسائل كيده ومكره، ليدفعه إلى سوء الظّنّ باللّه والطّعن في حكمته، نادى ربّه مستجديا رحمته، بكلام تفسيره:
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ: أي: بمشقّة نفسيّة وتعب وإعياء، حتّى خشيت على نفسي من كثرة وساوسه، وإغراءاته الكيديّة، ومكره الشديد.
فحماه اللّه من التأثّر بالشّيطان، فأمدّه بالصّمود والصّبر.
قيل: استمرّ بلاؤه ثلاث سنين. وقيل: سبعا وأشهرا.
وقيل: ثمانية عشرة سنة، وليس في شيء من هذه الأقوال ما يصحّ اعتماده، ولكن قد اجتاز امتحان الصّبر بنجاح باهر.
وشفاه اللّه ووهب له أهله ومثلهم معهم، وعاد له إخوته وأصحابه الذين اعتزلوه وهجروه أيّام بلائه، ووسّع اللّه عليه في الرّزق والمال، حتّى صار عنده ضعف ما كان عنده سابقا.
تدبّر نصّي (ص) و (الأنبياء) تدبّرا تكامليّا
* وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ: أي: وضع في ذاكرتك للانتفاع وتقدير الأمور حقّ قدرها، ما نقصّه عليك من قصّة بلاء أيّوب، ذي الغنى والمال الكثير والأنصار والأعوان، وما تعرّض له من صنوف ابتلاء.
المخاطب الأوّل في هذا النّصّ نبيّنا ورسولنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ كلّ أهل للخطاب بأسلوب الخطاب الإفراديّ.
وقد شرّف اللّه عزّ وجلّ أيوب عليه السّلام بقوله: عَبْدَنا إذ تحقّق بعبوديّة صادقة ممتازة في امتحان الشكر، وفي امتحان الصبر.
* إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) .