فهرس الكتاب

الصفحة 1938 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 583

هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42) :

أي: فاغتسل بهذا الماء، واشرب منه، يكن بهذا السّبب شفاء اللّه لك. ففعل أيوب ما أمره اللّه به فشفاه اللّه عظمت قدرته، وجلّت حكمته.

* وأمّا بلاؤه بأهله فقد كشفه اللّه عزّ وجلّ بردّهم عليه من الأسر، ثمّ زادهم مثلهم معهم، فقال اللّه تعالى في النصّ الذي في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :

وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا .. (84) .

وقال تبارك وتعالى في النصّ الذي في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) :

وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا .. (43) .

هذان النّصّان متكاملان في الدلالة على المراد، فعبارة: وَوَهَبْنا لَهُ دلّت على معنى إمضاء إرادة العطاء بالفيض الرّبّاني، دون النّظر إلى معنى استحقاق هذا العطاء، وناسب هذه الهبة أن يقول اللّه عزّ وجلّ في الآية:

رَحْمَةً مِنَّا. وعبارة: وَآتَيْناهُ دلّت على معنى إيصال هذا العطاء الرّبّانيّ إليه، بعد إمضاء الإرادة به، وناسب هذا الإيصال لذوات ما وهب اللّه له أن يقول في آية (الأنبياء) : رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي: رحمة ذات أثر في إيصال ما وهبناه إليه، ومعلوم أنّ كلّ ما هو في الوجود، ولو كان في حوزة الباغين الآسرين، هو عند اللّه جلّ جلاله، وعظم سلطانه، فهو مالك كلّ شيء ومليكه.

فدلّ هذا الصنيع البيانيّ العجيب على أنّ الهبة من عطاء الإرادة، وهي من آثار صفات الذّات الرّبّانيّة. ودلّ على أنّ الإيتاء، وهو توصيل الأشياء الموهوبة، آت ممّا عند اللّه في كونه، ممّا هو له ملك، وليس صفة من صفات الذّات، وإنما هو من صفات الأفعال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت