معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 612
ويسمع الأتباع مقالة الذين كانوا أئمّتهم وقادتهم في الحياة الدّنيا، فيكون ردّهم عليهم ما أورده اللّه عزّ وجلّ حدثا مقتطعا من أحداث يوم الدّين، ومقدّما كأنّه قد حدث فعلا بقوله تعالى:
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) .
أي: بل نحن الّذين لا نريد أن تكونوا معنا في منازل عذابنا، بل نريد أن تكونوا في قرار الجحيم، فأنتم بإغوائكم وإضلالكم قدّمتم هذا العذاب لنا.
فَبِئْسَ الْقَرارُ: أي: فبئس القرار قراركم في قاع الجحيم.
القرار: المكان المنخفض الذي تنحدر إليه المياه، وتستقرّ فيه.
بئس: فعل جامد لإنشاء الذّم، وحكمه صيغة وإعرابا مثل فعل"نعم"عند النحويين.
لا مَرْحَبًا بِكُمْ: أي: لا مكان يتّسع لكم معنا، ولا كانت لكم أمكنة رحبة واسعة في مستقرّاتكم، بل جعلها اللّه ضيّقة عليكم، حاصرة لحركاتكم.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) .
أبانت هذه الآية أنّ فوج الأتباع لا يرون جدوى من مخاصمة من كانوا في الحياة الدنيا أئمّتهم وقادتهم، فيتوجّهون لربهم سائلين داعين، فقالوا:
ربّنا قدّم لنا هذا العذاب بإغوائه وإضلاله وتحريضه، على أن نقتحم شنيعة الكفر وكبائر الإثم، فزدهم عذابا ضعفا في النّار، عذابا لغوايتهم، وعذابا لإغوائهم لنا.