معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 206
فمن المعروف أنّ من أساليب العرب أن يفتتحوا كلامهم بشيء من أدوات التنبيه مثل:"ألا- أما"إذ يستفتح بهما الكلام، والغرض من أدوات التنبيه استثارة انتباه السامع إلى ما يراد إلقاؤه إليه.
ويبدو لي أنّ استعمال حروف لم تجر العادة باستعمالها لغرض التنبيه أكثر لفتا للنّظر، وإثارة للانتباه ممّا جرت العادة باستعماله، بسبب أنّ المألوف في السّمع يمرّ دون أن يحرّك في النفس ساكنا، أو يوقظ في الفكر نائما، أو ينبّه به غافلا فإذا طرق السّمع جديد غير مألوف تحرّك الساكن، وتنبّه الغافل، واستيقظ النائم، ومثل هذا يجري دائما في أساليب الكلام، وفي مختلف وسائل التّنبيه.
فربّما تنبّه مخاطبك بحرف ما اعتدت أن تنبّهه به، لتستدعي ذهنه من شرود، وربّما تنبّهه بنقرة أو بتصفيق أو بضربة بمطرقة على المنصّة، أو بأيّ شيء مما يحدث صوتا سريعا متقطّعا أو متتابعا تتابعا يسيرا، ثمّ تنقطع دون استرسال طويل.
إذا عرفنا هذا ثمّ تأمّلنا في الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور من حروف التّهجّي، وجدنا فيها من تحقيق التنبيه التّامّ ما لا مزيد عليه، مع أدب في الوسيلة التي تناسب بلاغة القرآن وإعجازه، وذلك باستعمال أسماء حروف التهجّي التي هي أولّ ما يتعلّمه المتعلّمون من القراءة والكتابة، وفي هذا إشارة لهم بأنّهم بعيدون جدّا عن آفاق العلم والمعرفة، وعليهم أن يسيروا في طريق التعلّم، ولو من نقطة البدء بتعلّم حروف التهجّي، حتّى يحسنوا الكتابة بالقلم وقراءة المسطورات، ثمّ ليذهبوا صاعدين في سلّم مجد الإنسان العلميّ.
الوجه الثاني: تشير حروف التّهجّي المقطّعة في أوائل بعض السّور إلى ما تضمّنه القرآن المجيد من تحدّ للإتيان بمثله، أو بمثل سورة منه.