فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 207

فلقد تحدّى اللّه عزّ وجلّ الناس أن يخلقوا حيوانا حتّى ذبابا، مع أنّ المادّة الّتي خلق اللّه منها كلّ الأحياء في الأرض معروضة أمامهم، مبذولة لهم، فهي في متناول أيديهم، إنّها عناصر الأرض، تراب وماء، ومع أنّ هذه المادّة بين أيديهم فإنّهم عاجزون عن خلق أيّ شيء صغيرا كان أم كبيرا.

وعلى مثل هذا تحدّى اللّه عزّ وجلّ النّاس أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه، مع أنّ مادّة القرآن الّتي ألّفت منه آياته وسوره إنّما هو الكلام العربيّ الّذي يستعملونه في تخاطبهم، وفي آدابهم شعرا ونثرا، ويتفاخرون ببلاغتهم فيه على سائر الأمم، وهذا الكلام العربيّ معروض أمامهم، وهو في متناول نطقهم وكتاباتهم وشعرهم ونثرهم.

وحروف التهجّي العربيّة تمثّل المادّة الأولى لهذا الكلام، وإطلاق حروف التهجّي لأيّة لغة من اللّغات هو بمثابة العنوان لهذه اللّغة من جهة، والإشارة إلى مادّتها من جهة أخرى.

فمن ينكر أنّ هذا القرآن كلام اللّه، وأنّه منزّل من لدنه جلّ جلاله، فليأت بمثله أو بمثل سورة منه، وهذه مادّة كلماته وجمله وتراكيبه معروضة أمامه في اللّغة العربية، وعنوان هذه اللّغة أسماء حروف التهجّي الموضوعة فيها للحروف التي تنطق في بناء الكلمات، والتي منها على سبيل المثال:

(نون- صاد- كاف- ها- يا- عين- ألف- لام- ميم- را) .

ويقرّب هذا المعنى أنّ معظم السّور الّتي افتتحت بحروف مقطّعة من حروف التهجّي ابتدأت بالكلام على القرآن المجيد.

الوجه الثالث: الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور هي أسماء لها، فيقال مثلا سورة (نون) وسورة (صاد) وقد ذكر هذا الوجه أكثر المتكلمين، واختاره الخليل، وسيبويه، من أئمة اللّغة العربيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت