معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 208
الوجه الرابع: أنّ هذه الحروف المقطّعة مأخوذة من كلمات على طريقة العرب في ذكر حرف من كلمة، وهم يريدونها، كقولهم: قلت لها:
"قفي"فقالت:"قاف"أي: وقفت.
وروي عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- تأويلات لبعض هذه الحروف من هذا القبيل، قال: معنى: (ألم) أنا اللّه أعلم. ومعنى: (ألر) أنا اللّه أرى. ومعنى (ألمر) أنا اللّه أعلم وأرى.
لكنّ أكثر السّلف قد رأوا أن حروف التّهجّي المقطّعة في أوائل بعض السّور ممّا استأثر اللّه بعلمه، وأنّها سرّ القرآن.
روي عن أبي بكر- رضي اللّه عنه- أنّه قال: في كلّ كتاب سرّ، وسرّ اللّه في القرآن أوائل السّور.
وروي عن علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- أنّه قال: لكلّ كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي.
وروي نحو ذلك عن الشعبي من التابعين، ولهذا نجد كثيرا من المفسرين يقولون بشأنها: اللّه أعلم بمراده.
* قول اللّه عزّ وجل:
وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) .
"الواو"في"و القلم"هي واو القسم. وَما يَسْطُرُونَ أي: وما يكتب الكاتبون. يقال لغة: سطر الكتاب يسطره سطرا وسطّره يسطّره تسطيرا، أي: كتبه.
لقد عرض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه على قومه، ودعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، ونبذ الأوثان وعبادتها، فعظم على سادة قومه هذا الأمر، وكبر عليهم أن يتّهموا بأنّهم كانوا في ضلالة وجهالة، وسفاهة أحلام، بعبادتهم الأوثان هم وآباؤهم من قبلهم.