فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 209

فرأى بعض كبرائهم أن يردّوا عن أنفسهم ذلك بأن يتّهموا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون، إذ ذكر لهم أنّ وحي اللّه عزّ وجلّ قد نزل عليه، وأبلغه بأنّه رسول اللّه للناس، وأنّ عليه أن يبلّغهم رسالات ربّه، وأنّ أوّل بلاغ فيها نداء التوحيد، ووجوب نبذ الشرك والأوثان، وأنّ عليهم أن يعبدوا اللّه وحده لا شريك له.

فصاروا يقولون فيما بينهم: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ لتنتشر هذه المقالة في جماهير أتباعهم، مع أنّهم قد بلغت بهم الدهشة مبلغها الأقصى من روائع البيان القرآني، حتّى كادوا يزلقون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن مواقفه بأبصارهم من شدّة حسدهم له، لمّا سمعوه يتلو بعض ما تنزّل عليه من القرآن، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجل في أواخر السورة:

وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) .

وكان هذا منهم إيذانا ببدء معركة الرّفض لدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكذيبه في دعوى النّبوّة والرّسالة.

ومن طبيعة الناس التلقائيّة أنّهم إذا كذّبوا من يدّعي اتصالات غيبيّة خارجة عن مجرى العادات الحسيّة قالوا: فيه مسّ من الجنّ، وقالوا: هو مجنون، يتوهّم بجنونه أنّ أرواحا غيبيّة تتّصل به وتبلّغه، ولا يعدو أمره أن يكون توهّما، هذا إذا كان معروفا بينهم بالصّدق والأمانة وكمال الخلق، فهم في أوّل الأمر لا يقولون له: أنت تكذب علينا لأمر تريده، وإنّما يعتذرون له بأنّ فيه مرض الجنون.

لكنّ الجنون يتنافى مع دعوة الرّسول الناس إلى القراءة والتعلّم واستخدام وسيلة"القلم"لتثبيت المعارف، ومعاودة بحثها ومناقشتها، وهو ما جاء في أوّل سورة أنزلت عليه، وهي سورة (اقرأ) فكتابة ما ينزل به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت