فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 661
التّسخير: التّذليل لعمل ما، أو أمر ما، وجعل الشيء، مطاوعا لما يراد منه، ضمن قانون التسخير الرّبّانيّ له.
وهذه المطاوعة تكون على وجوه:
(1) فإمّا أن تكون بالطّبع والفطرة ضمن قانون التكوين الجبريّ، كالرّياح، والمياه، والنار، والأرض، وكلّ ما فيها، فهي مسخّرات للإنسان ضمن قوانين تسخيرها، وفق مقتضى طبعها الجبريّ وما جبلت عليه.
وكالشمس والقمر في السّماء، وكالسّحاب بين السّماء والأرض، فهي مسخّرات لمنافع الناس في الأرض ضمن أنظمتها وقوانينها الجبرية، وفق مقتضى طبعها وما جبلت عليه.
ومن هذا تسخير الجبال والطير لداود عليه السّلام.
(2) وإمّا أن تكون المطاوعة بالقوّة والإلزام والقهر، مع التذليل بالشّعور بالضعف، كتسخير العجماوات من البهائم بالتذليل والمطاوعة الإلزامية للإنسان.
(3) وإمّا أن تكون المطاوعة بالاختيار الحرّ، لما في المطاوعة من مصلحة أو فائدة للمطاوع، كاتّخاذ النّاس بعضهم لبعض سخريّا.
فالناس بعضهم لبعض مسخّرون بالاختيار الحرّ، وكلّ إنسان مستعدّ لأن يسخّر نفسه لغيره فيما له به مصلحة، أو فائدة عاجلة في الدنيا، أو آجلة إلى يوم الدين، أو بدافع حبّ الخير، والقيام بفضيلة المعونة، والسّعادة بلذّة ممارسة الفضيلة.
وفكرة تسخير الجبال والطّير يسبّحن مع داود عليه السّلام، يظهر في بادي الرأي أنّها مكرّرة، إذ سبق فيما نزل من قرآن قبل سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 72 نزول) بيانها، فقد جاءت مبيّنة في سورة (ص) 38 مصحف/