فهرس الكتاب

الصفحة 2051 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 695

فأبان اللّه في هذه الجلسة لإبليس بهذا السؤال مخالفته لواجب طاعة العباد لربّهم، بمقتضى أنّه إلههم الّذي يجب عليهم أن يعبدوه، ومن عبادتهم الأولى له بعد الاعتراف له بربوبيّته وإلهيّته، أن يطيعوه، فيفعلوا ما أمرهم به، وينتهوا عمّا نهاهم عنه.

لكنّ إبليس لم يعتذر بأنّه لم يكن يعلم أنّ أمر اللّه موجّه له ضمن من هو معهم من الملائكة، بل أصرّ على عناده ولزم موقفه الأوّل، ولم يراجع نفسه، وأعلن بهذا الإصرار أنّه غير مؤمن بإلهيّة اللّه له، وأنّه معترض على أمر اللّه له بالسّجود لآدم، ويراه أمرا غير حكيم، ويرى أنّه ليس من حقّ الرّبّ أن يوجّه لعباده المملوكين له مثل هذا الأمر.

قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) .

عندئذ كان لا بدّ من إصدار الحكم الختاميّ عليه في هذه الجلسة الثالثة، فأمره اللّه عزّ وجلّ بأن يهبط هبوط مهانة وذلّ وصغار، ولم يقتصر الأمر على الإخراج فقط، كما حصل في الجلستين الأولى والثانية، بل جاء الأمر له بالهبوط والإخراج، مع الحكم عليه بالصّغار.

قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) .

الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل. ويقال: هبط فلان، أي: ذلّ واتّضع وسقط.

الصّاغر: الراضي بالذّلّ والضّعة والمهانة، يقال لغة: صغر يصغر صغارا فهو صاغر، أي: رضي بالذّل والضّعة.

فكرّر إبليس بوقاحة طلبه من ربّه أن يمهله حيّا إلى يوم يبعثون.

قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) .

ولم يدع اللّه ربّه في هذه الجلسة معلنا اعترافه بأنّه ربّه، ومتذلّلّا له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت