فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 696
بالعبوديّة، بل قال: أَنْظِرْنِي أمّا في الجلستين السّابقتين فقد قال فيهما:
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي.*
لقد بلغ به العناد والاستكبار والحران إلى أن يسأل اللّه ربّه دون أن يقول له: ربّ.
فاكتفى اللّه عزّ وجلّ في جوابه بعبارة:"إنّك من المنظرين"أي: إنّك واحد من المنظرين، كما سبق أن قضينا لك، دلّت على هذا عبارة:
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) .
وبعد أن انتهت جلسات محاكمة اللّه عزّ وجلّ لإبليس الثلاث، أعلن إبليس لربّه خطّته الّتي رسمها للإغواء:
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) .
فَبِما أَغْوَيْتَنِي: أي: فبسبب حكمك القطعي عليّ بالغواية، وهي الإمعان في الضلال والبعد عن صراط الحقّ والهدى، والخيبة والفساد وترك سبيل الرشاد عن قصد وتعمّد، اتّباعا للهوى ونوازع النفس الطاغية.
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) : أي: أقسم لأقعدنّ لإغوائهم ملازما صراطك المستقيم الذي ستبيّنه لهم، وتأمرهم أن يسلكوه ويلتزموا حدوده.
ضمّن فعل"أقعد"معنى فعل"ألازم"فعدّي تعديته، فانتصب لفظ"صراط"على أنه مفعول به، فأغنت الجملة الواحدة عن جملتين، والمعنى:
لأقعدنّ لهم ملازما صراطك المستقيم.
فأبان بالقعود معنى التمكّن، وأضاف إليه بالتعدية معنى الملازمة، فتمّت المرابطة كاملة العناصر.
وهذا العزم الخبيث الذي أعلنه إبليس، قد قدّمه ملاحظا فيه ذرّيّته من