فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 717
لهما عن أن يأكلا من الشجرة المحرّمة، وفي بيان هذه الحيلة الإغرائية الشيطانية قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) .
أي: ما نهاكما ربّكما عن أن تأكلا من هذه الشجرة إلّا منع أن تكونا ملكين نورانيّين تنطلقان حيث تشاءان في أرجاء السماوات وفي آفاق الجنّة، أو منع أن تكونا من الخالدين، وزعم لهما في هذا أنّه توجد مخلوقات حيّة خالدة، مع أنّ برنامج خطة اللّه عزّ وجلّ للحياة الأولى تقضي بإماتة كلّ مخلوق حيّ، كما قال تعالى في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) .
فزرع إبليس بهذه الوسوسة الشّكّ في قلوبهما، إذ أوهمهما أنّ للأشياء طبائع ذاتيّة أصليّة ثابتة، واللّه يخلق من خلالها.
وهذه الفكرة الشيطانية الإبليسيّة القديمة المكفّرة، هي الفكرة الّتي سقط في حبائلها الطبيعيون، والملاحدة المادّيون، اغترارا بأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل تصاريف خلقه مقيّدة بالأسباب الّتي وضعها هو سبحانه في الأشياء، ليمتحن عباده في الإيمان به خالقا من وراء الأسباب، وأنّ الأسباب لا تزيد على كونها بمثابة قنوات يمرّ الخلق الرّبّاني من خلالها، ولو شاء اللّه عزّ وجلّ لخلق ما شاء بأمر التكوين، دون أن يمرّ خلقه من قنوات الأسباب، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فهو يكون بأمر التكوين، والأسباب سواتر للخلق الرّباني المباشر للأشياء.
لقد زعم إبليس في وسوسته وتسويله لآدم وزوجه أنّ عنصر الشجرة المحرّمة يحوّل الآكل منها إلى ملك نورانيّ يعبر أقطار السماوات بخفّة الأنوار، أو بخفة الأرواح المجرّدة، أو يجعله خالدا يعيش أبدا دون أن