معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 218
في ذلك من شتيمة لهم فيما يتصوّرون، إذ هم غير مستعدّين لترك ما هم عليه، وقبول دعوته ونصحه، وتغيير عقائدهم وعاداتهم وأعمالهم وأخلاقهم وطرائقهم في حياتهم.
وقد تعرّض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بعد في مسيرته الدّعويّة لمثل هذه المطالب، لكنّه اعتصم بالمنهج الرّبّاني الذي أمره اللّه فيه بأن لا يطيع المكذّبين ولو على سبيل المداهنة.
وروايات السيرة النبويّة تشهد بهذا، فمنها ما يلي:
(1) مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عمّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونصيره في قومه، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه.
فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا، وانصرفوا عنه، ومضى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يظهر دين اللّه، ويدعو إليه، ولم يتخلّ عمّه عن مناصرته.
(2) قال عقيل بن أبي طالب:
جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل، انطلق فأتني بمحمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم- فانطلقت إليه، فاستخرجته من كبس، فجاء به في الظهيرة في شدّة الحرّ، فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدّة الحرّ، فلمّا أتاهم قال أبو طالب: إنّ بني عمّك هؤلاء قد زعموا أنّك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم.