معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 219
فحلّق رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ببصره إلى السماء فقال:
"أترون هذه الشّمس؟".
قالوا: نعم.
قال:"فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا شعلة".
فقال أبو طالب: واللّه ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا .. ).
ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما هو عليه يظهر دين اللّه، ويدعو إليه، غير مستجيب لما دعاه إليه المكذّبون، ولم يتخلّ عمّه أبو طالب عن نصرته.
(3) ثم مشى الرجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إنّ لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا، أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتّى يهلك أحد الفريقين.
ثمّ انصرفوا.
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بأن يخذل ابن أخيه ويسلمه لهم.
فبعث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاءوني فقالوا لي: كذا وكذا، وقصّ عليه نبأ ما جاءوا به، ثمّ قال له:
فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق.
فظنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ عمّه قد ضعف عن نصرته، وأنّه خاذله ومسلمه لقومه، فقال: يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشّمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته.