معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 220
ثمّ استعبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبكى، ثمّ قام، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب فقال له: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا.
وعرفت قريش موقف أبي طالب من ابن أخيه، وأنّه غير خاذله، وهكذا وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملتزما منهج اللّه، فلم يطع المكذّبين، ولم يداهنهم على حساب وظائف رسالته.
ولمّا ثبت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ملتزما المنهج الرّبّاني صار المشركون المكذبون يتعرّضون له بالأذى، ويتعرّضون للذين آمنوا به واتّبعوه بالاضطهاد.
وممّن تعرّض له بالأذى أبو جهل"عمرو بن هشام"وكانت كنيته في قومه"أبا الحكم"فسبّ الرسول وشتمه بوقاحة.
فانتصر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عمّه"حمزة"وكان قد أسلم، وأقبل على أبي جهل في مجلس قومه، فضربه بقوسه فشجّه، وعلم القوم أنّ"حمزة بن عبد المطّلب"أصبح على دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فحسبوا له حسابا، وقام المخزوميّون ينتصرون لرجلهم أبي جهل، فقال لهم أبو جهل: دعوه، فإنّي واللّه سببت ابن أخيه سبّا قبيحا.
(4) ولجأ المكذّبون إلى عروض الإغراء، لعلّ محمّدا يطيعهم في ذلك.
فمن عروضهم أنّ"عتبة بن ربيعة"وكان سيّدا في قومه، قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمّد فأكلّمه، وأعرض عليه أمورا لعلّه يقبل بعضها، فنعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنّا؟
فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلّمه.