معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 223
فيه بداء، وكان عليهم حريصا، يحبّ رشدهم، ويعزّ عليه عنتهم، حتّى جلس إليهم.
فقالوا له: يا محمّد، إنّا قد بعثنا إليك لنكلّمك، وإنّا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدّين، وشتمت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلّا قد جئته فيما بيننا وبينك.
فإن كنت إنّما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا، جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنّما تطلب به الشّرف فينا، فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك (و كانوا يسمّون التّابع من الجنّ رئيّا) فربّما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطّبّ لك، حتّى نبرئك منه، أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشّرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنّ اللّه بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالات ربّي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا منّي ما جئتكم به فهو حظّكم في الدّنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللّه، حتّى يحكم اللّه بيني وبينكم".
فلمّا رفض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منهم عروض الإغراء، وجّهوا له مطالب التّعنّت.
لقد استمسك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمنهج الرّبّانيّ الّذي قال اللّه عزّ وجلّ فيه:
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) .
واستمر صلوات اللّه عليه كذلك طوال مسيرته في دعوته.
وكذلك يجب على كلّ الدّعاة إلى سبيل ربّهم من أمّته.