معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 52
أن يسلكوا الصراط المستقيم، بينما واقع حالهم أنّهم متفرّقون في السّبل المنحدرة إلى عذاب الجحيم، بل تنحصر مسؤوليتك في تبليغ وبيان ما أنزل اللّه إليهم، فإذا لم يستجيبوا فما عليك إلّا أن تنذرهم بما جاء فيه من إنذارات، إذ هم ممتحنون قد وهبهم اللّه إرادات حرّة ليبلوهم، ولا يكن في صدرك حرج من اعتراضات المشركين.
الحرج: الضيق. وقال الزّجاج: أضيق الضّيق. وقال ابن عباس:
الحرج الموضع الكثير الشجر الذي لا يصل إليه الراعية. ويقال: مكان حرج وحرج، أي: ضيّق كثير الشجر.
أقول: هذا المعنى المادّي نقل للدّلالة على مشاعر الضّيق الّتي تكون في الصّدور من أمر عظيم.
ونلاحظ في هذا التعبير القرآنيّ إبداعا في الأداء البياني من جهة، وحكمة تربويّة ربّانيّة من جهة أخرى.
* أمّا الإبداع البيانيّ فظاهر في توجيه النهي للحرج، لا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يقل اللّه له: لا تكن حرج الصّدر، بل قال له: فلا يكن في صدرك حرج، ولا يخفى ما في هذا من تلطّف بالرسول، إذ لم يواجهه اللّه بالنهي، بل وجّه النهي للحرج.
ومن الإبداع في الأداء البياني، أنّ لفت النظر قد جاء للأثر، لا لمسبّباته، مع أنّ المقصود هو مسبّباته، فالحرج في صدره أثر قد يحدث من جرّاء تصوّره أنّ مسؤوليّته تجاه هذا الكتاب الّذي أنزل إليه، أن يجعل الناس متّبعين له، وهذا أمر لم يملكه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، بعد أن ظهر له خلال مسيرته في دعوته حتى وقت إنزال سورة (الأعراف) أنّ معظم قومه كفروا به، ورفضوا اتّباعه، فماذا يفعل تجاه مسؤوليته العظمى الّتي تمثّلت في تصوّره؟