فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 65
كلّ هذه المعاني قد فتح لنا أبواب إدراكها قول اللّه عزّ وجلّ في الآية: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.
قيمة التذكّر وأثره في السّلوك:
ولمّا كان الّذي يحرّك شيئا ما من جوانب النفس إقبالا أو إدبارا بعاطفة من العواطف، أو انفعال من الانفعالات، ويحرّك إرادتها، ويدفعها لتصرّف من التصرّفات، أو عمل من الأعمال، لا بدّ أن يمرّ في ساحة التذكّر الحاضر، كان من الحكمة في البيان القرآنيّ التّنبيه على قضيّة التذكّر للمعارف والقضايا الدينيّة.
فالّذين لا يتذكّرون هذه المعارف والقضايا لا يعملون بمقتضاها، والّذين يقلّ تذكّرهم لها، يقلّ عملهم بها، والّذين يكثرون من تذكّرها يكون عملهم بمقتضاها أرجى وأكثر، لأنّ التذكّر يثير دوافع النّفس، ويحرّك مطالبها ورغائبها.
الهمّ لا يحييه في النّفس إلّا التذكّر، أمّا النسيان فيمحوه.
والعشق لا يوقد لهبه في النفس إلّا التذكّر، أمّا النسيان فيطئفه.
والحقد لا يثير بركانه في القلب إلّا التذكّر، أمّا النسيان فيطويه ويميته.
والحسد لا يثيره إلّا شغل ساحة التصوّر والتذكّر بمراقبة نعمة اللّه على المحسود، أمّا النسيان فيصرفه عن القلب، فلا تتحرّك النفس به، فتنعدم الرّغبة في كيد المحسود أو ضرّه أو إيذائه، أو تمنّي زوال نعمته، أو تمنّي الحصول على مثل ما أنعم اللّه به عليه من زينة الحياة الدنيا وزخرفها.
ويأنس الصّديق ويسرّه أن يكون في ذاكرة صديقه دواما أو أحيانا، لذلك فهو يفرح بما يدلّ على هذا التذكّر، كهديّة رمزية، أو رسالة، أو