فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 70
وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ التذكّر النافع في جعل الإرادة تتوجّه لتنفيذ السّلوك الذي يرضي اللّه، هو التذكّر الّذي يتذكّره المؤمنون المتّقون أولوا الألباب، فقال تبارك وتعالى في سورة (الزّمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
وقال تبارك وتعالى في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. (269)
الألباب: هي العقول الواعية الدّرّاكة، الّتي تعقل المعارف فتمسك بها، وتعقل النّفس عن اتّباع الهوى.
ولما للذّكر بمعنى إحضار الشيء من ساحة التصوّر الحاضر من مخازن المعرفة في النّفس، من قيمة عظيمة جدّا، في تحريك الإرادة وتوجيه السلوك، جاء في القرآن المجيد نصوص كثيرة جدّا يتطلّب تدبّرها بالتفصيل مجلّدا ضخما، وهذه النّصوص تأمر بذكر اللّه، وبذكر آياته المنزّلات، وبذكر قصص وأحوال الأوّلين للاعتبار والاتّعاظ، أو الاقتداء والتأسّي، وهذا الذكر لا بدّ أن يكون مسبوقا بتلقّي القرآن كلّه أو بعضه، ومسبوقا بتفهّمه، واختزانه في مراكز المعرفة في النفس، وبعد ذلك يأتي تذكّره، بإحضار ما يتعلّق منه بالمناسبة الداعية، في ساحة التصوّر الحاضر، لتحريك الإرادة وتوجيه السلوك.
مراتب تأثير ذكر اللّه في قلوب المؤمنين:
ولتأثير ذكر اللّه عزّ وجلّ في قلوب المؤمنين ثلاث مراتب، ولكلّ مرتبة منها درجات متفاضلات بحسب أحوال أصحابها.
المرتبة الأولى الدّنيا"مرتبة الوجل":
إنّ المؤمن المتقي الذي يتملّكه الشّعور بالمعاصي والتقصيرات، إذا