فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 74
ومن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا السّلطان والعلوّ في الأرض، فهو مشغول العواطف والإرادة والسلوك به دواما.
ومن الناس من لا يوجد في ساحة تذكّره إلّا مطالب شهواته ولذّاته من طعام وشراب ورفاهية ونساء ونحو ذلك، فهو مشغول العواطف والإرادة والسلوك بما يملأ ساحة تذكّره من هذه الأمور.
أمّا الذين يتذكّرون ربّهم والدّار الأخرة، ومطلوب سعادتهم الأبديّة يوم الدّين فهم نادرون قليلون في الناس، وهم على مراتب متفاضلات، ودرجات كثيرات متفاوتات، كما قال اللّه عزّ وجل في الآية التي نحن في صدد تدبّرها خطابا للناس:
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ و [تذّكّرون] .
وحديثا عن الناس في القراءة الأخرى: [قليلا مّا يتذكّرون] .
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 4 ... 74
الخلاصة: أنّ قليلا من النّاس من يتذكّر الأشياء الّتي جعل اللّه سعادة الناس في دنياهم وأخراهم بها، وكلّها مربوطة بذكر اللّه، وبذكر ما أنزل لعباده وبلّغه رسوله، وذلك لأنّهم لا يضعونها أصلا في مراكز علمهم وإيمانهم حتّى يحيوها بالتذكر الباعث على العمل للدّار الآخرة، ومرضاة اللّه، بل ساحة تذكّرهم مشغولة بمطالبهم من الحياة الدّنيا.
والمؤمنون الّذين يتذكّرون أحيانا الأشياء الّتي جعل اللّه سعادة النّاس في دنياهم وأخراهم بها قليلا مّا يتذكّرون، إذ لا يستغرقون أوقاتا كثيرة من عمرهم بتذكّرهم لها إذا تذكّروها، فيقلّ تذكّرهم في اللّحظة الواحدة، ويقلّ مقدار زمن التذكّر عندهم في مدى أعمارهم، وسبب ذلك الغفلات، والصوارف من مطالب الجسد وشهواته، ومطالب النفس من الدنيا وشهواتها مع شوارد الأفكار العاملة دواما.
إنّ مطالب الجسد والنفس هي مثيرات من داخلها، وهذه لها أيضا