فهرس الكتاب

الصفحة 2173 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 79

السابقين واللّاحقين، أن يهلك الأمم إهلاكا جماعيّا، إذا بلغت من الكفر والفساد والإفساد في الأرض مبلغا تقضي الحكمة الرّبّانيّة معه بإهلاكهم، لأنّ بقاءهم المجبر للأجيال على الكفر يلغي الغاية من خلق الناس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا.

ولمّا كان إهلاك السّابقين لم يحصل إلّا بعد إنذار من اللّه لهم، مسبوق بتبليغ رسل اللّه لهم أصول الدّين وشرائع اللّه وأحكامه وأوامره ونواهيه لعباده، ومسبوق بصبر طويل عليهم، ومعالجة لهم بمختلف وسائل الإقناع والتربية والترغيب والترهيب والجدال بالّتي هي أحسن وغير ذلك من أمور، كان من الحكمة الإشارة إليه بحرف عطف هو (الواو) في صدر حكاية موجز إهلاك قرى كثيرة سابقة، العاطف على محذوف، فقال تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ...

ولو كان هذا المطويّ في النّصّ المتفرّع عن مضمون قوله تعالى:

لِتُنْذِرَ بِهِ مصرّحا به لكان التعبير على نحو قولي:

فكم من رسول أرسلنا إلى قرية فبلّغها وأنذرها، وكم من قرية أرسلنا إليها رسولا برسالاتنا، فبلّغها ونصحها وهداها إلى صراط ربّها، وحذّرها وأنذرها، فلم تستجب لدعوته، وكفرت وعاندت وأصرّت على فسادها، وعلى إفسادها في الأرض، وحين اقتضت الحكمة إهلاكها أهلكناها.

بهذا الفهم يتمّ ترابط الكلام، ولا تكون به واو العطف مجرّد عاطفة جملة على جملة، أو للاستئناف، دون ملاحظة ترابط المعاني المرادة.

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ: أي: وكم من أهل قرية، وإطلاق أسماء الأماكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت