فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 80
على أهلها وسكّانها من الاستعمالات الشائعات في العربيّة وغيرها. ويسمّي علماء البلاغة هذا الإطلاق مجازا مرسلا، وهو من إطلاق المحلّ وإرادة الحالّ فيه، فيقال عن مدينة شاع في أهلها الفجور مثلا: المدينة الفاجرة، أو المدينة العاهرة، ونحو هذا.
"كم"اسم يقع على العدد بمعنى"كثير"وتسمّى:"كم الخبريّة"للتفريق بينها وبين"كم الاستفهامية".
ولإبهامها ودلالتها على عدد مجهول الجنس كانت مفتقرة إلى التّمييز، ومميّزها مجرور بعدها، ويجوز دخول حرف الجرّ"من"عليه للتأكيد.
و"كم"مبتدأ، خبره جملة أَهْلَكْناها.
أَهْلَكْناها: أي: أفنيناها، واستأصلناها، أصل الإهلال في اللّغة الإماتة، ويقع على إفناء الأشياء واستئصالها.
والمراد بقوله تعالى: أَهْلَكْناها أردنا إهلاكها، فقضيناه، إذ استحقت الإهلاك، وبعد ذلك يأتي إصدار الأمر التنفيذي بإهلاكها، وهذا من الاستعمالات الشائعات، وله نظائر كثيرة في القرآن، وفي استعمالات الناس، بالنسبة إلى كلّ أمر قد صار متحقّق الوقوع في المستقبل.
فمن ارتكب جريمة يستحقّ عليها القتل، ووقع في قبضة الحاكم الّذي ينفّذ الأحكام بالعدل، قال الناس بشأنه: قتلته جريمته، ولو لم يكن قد قتل بعد، نظرا إلى أنّه صائر إلى ذلك بحسب العادة، فكيف إذا كان الأمر حتميّ الوقوع، كقضاء اللّه وأوامره التنفيذيّة؟!
ومن أطلق قذيفة بتسديد محكم، يقال بشأنه: لقد أصاب الهدف، ولو لم تصل بعد قذيفته.
ودلّنا على أنّ هذا المعنى هو المعنى المراد في الآية، ترتيب أحداث