معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 95
* وقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الرحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول) :
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ. (9)
فدلّ هذا النّصّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن وضع الميزان كما سبق به البيان، أمر بأن لا يطغى الناس في الميزان متجاوزين حدود الحقّ وما يجب أن يكون، وأمر النّاس أن يقيموا الوزن بالقسط، أي: بالعدل، وأمر أن لا يخسروا الميزان، فلا ينقصوا من الموزونات في عمليّات الوزن الّتي يجرونها شيئا.
وأبان هذا النّصّ أن اللّه جلّت حكمته قد وضع الميزان بكمال إتقان وإحكام، كما رفع السّماء بكمال إتقان وإحكام.
وَوَضَعَ الْمِيزانَ: أي: وأوجد في الأرض وأثبت الأنظمة والقوانين والوسائل، الّتي يستطيع النّاس بها صناعة الميزان الشّامل لمختلف الموازين الّتي توزن بها مقادير الأشياء المختلفة، ووضع للنّاس بما أنزل على رسله أحكام العدل.
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8) : أي: ومع الأحكام التي أنزلها فيما أوحى إلى رسوله لإقامة العدل بين الناس، وجّه تكليفا مضمونه النّهي عن الطّغيان في عمليّات الوزن.
الطّغيان: هو الزّيادة على مقدار الحقّ في الوزن ضدّ مصلحة الموزون له، بأن يأخذ الوازن أكثر من حقّه ويعطي الموزون له أقلّ من حقّه.
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ: أي: ووجّه تكليفا آخر مضمونه وجوب إقامة الوزن بالعدل.
العدل في الوزن هو المساواة التّامّة بين قيمة الحقّ المطلوب، وقيمة الموزون الّذي يؤدّى به الحقّ.