معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 96
وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ: أي: ووجّه تكليفا آخر مضمونه النّهي عن النقص في الوزن عن الحقّ المطلوب.
يقال لغة: خسر الميزان وأخسره، إذا نقص الوازن في عمليّة الوزن عن الحقّ المطلوب.
فاشتمل هذا النصّ على تكاليف ربّانية ثلاثة:
(1) النهي عن الزيادة على الحقّ المطلوب في عملية الوزن.
(2) الأمر بالمساواة العادلة بين حقّ الموزون له والموزون منه.
(3) النهي عن النقص عن الحق المطلوب في عملية الوزن.
وفي هذا استقصاء للاحتمالات في عمليات الوزن، عناية بضرورة العدل، وهذا من التفصيلات التي اشتمل عليها القرآن، مع أن بعضها كان يغني عن بعض فكريا.
ومن هنا ندرك أنّ وزن أعمال العباد يوم الدين، سواءا أكانت أعمالا جسديّة ظاهرة للحواس، أم أعمالا فكريّة، أم نفسيّة أم قلبيّة إراديّة، يكون بموازين تلائم طبائعها الّتي طبعها اللّه البارئ عليها.
إذا كان الناس باكتشافاتهم لأنظمة الموازين الّتي وضعها اللّه عزّ وجلّ لهم في الأرض، قد توصّلوا إلى اكتشاف أنواع كثيرة جدّا، يزنون بها المادّيّات الظّاهرات، والمعنويّات، والقوى الّتي كان القدماء يسمّونها أعراضا، أفلا يكون عند اللّه البارئ الخالق لكلّ شيء يوم الدّين موازين تزن الأعمال الظّاهرة، وتزن الخواطر، وتزن النيّات، وتزنّ الإرادات، وتزن مقادير الإيمان والكفر، وتزن مقادير الحبّ والبغض، ومقادير الرّضا والغضب، ومقادير العفو والحقد إلى سائر العواطف؟!
ويدلّنا على اختلاف أنواع الموازين الّتي يوزن بها ما كسب العباد أو