معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 228
والمهين الحقير في ذات نفسه لا بدّ أن يكون كذّابا فاجرا، ومن مهانة هذا الصنف من الناس دناءته في سلوكه الذي يخفيه ولا يعلنه، إذ تملكه شهوة حقيرة، وتذلّه رشوة صغيرة، والباحث عن خباياه يجد لديه من الدّناءات والمهانات ما يترفّع عنه أكثر النّاس دناءة ومهانة، وقلّة مبالات بما تدعو إليه الكرامة، وقد يظهر للنّاس بعض ذلك في فلتات تصرّفاته، فتكشفه لأهل الملاحظة والنظر اللّمّاح.
* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) :
همّاز: صيغة تكثير، أي: ديدنه ودأبه تعيير الناس وتنقيصهم وغيبتهم، والطعن فيهم من وراء ظهورهم، وأكل لحومهم.
الهمز: في اللّغة مثل الغمز والضغط والعصر والنّخس باليد أو بأداة ما، ويدخل في معنى الهمز الغيبة، وإشارات التعيير والتنقيص ببعض حركات الوجه، ونحو ذلك.
وما أكثر ما يلاحظ الناس هذه الصفة في ذوي المكانات الفارغات، والزعامات المهينات، من الذين يتظاهرون بالتعاظم وهم حقيرون.
وهدفهم من أعمالهم هذه الحطّ من مكانة ذوي المكانات في مجتمعهم، ليستعلوا عليهم، وليكون لهم وحدهم البروز والظهور.
مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: أي: كثير المشي بالنّميمة، لتقطيع أواصر صلات الناس بعضهم ببعض، تصوّرا منه أنّه بهذا التقطيع يمنع تجمّعهم، فتكون له وحده القوّة الجماعيّة بالأعوان والأنصار، وهذا من دناءته ومهانته وسوء طويته.
النّميم، والنّميمة: الوشاية بالسّوء لإفساد بعض النّاس على بعض، وأصلهما الصوت الخفيّ من حركة شيء، أو من وطء قدم، ويقال لصوت الكتابة: نميم ونميمة.
ومعلوم أنّ النّمّام يقدّم وشايته باستخفاء، وبصوت خفيّ.