معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 98
قول اللّه تعالى:
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ. (9)
دلّت هاتان الآيتان على أنّ موازين محكمة العدل الرّبّانيّة يوم الدّين تزن على طريقة أنّ العمل الصالح المقبول عند اللّه سواء أكان عملا جسديا أم فكريا أم نفسيا أم قلبيا، يضغط بثقل يعطي إشارة تحدّد مقدار قيمته الحقيقية فوق إشارة الصّفر، أمّا العمل السّيّئ فهو بعكس العمل الصّالح، إذ هو يجذب كفّة ميزانه إلى الأعلى بقوىّ شائلة، حتّى تظهر طائشة فتكشف إشارة الميزان أنّ قيمة العمل هو تحت إشارة الصّفر بحسبه.
وأمّا العمل الذي لا هو من الحسنات ولا هو من السّيّئات عند اللّه، وكذلك العمل الذي لا يبتغى به وجه اللّه عزّ وجلّ، فلا يقام له وزن، ولا يحرّك في الموازين الرّبّانيّة شيئا، لا شيئا موجبا، ولا شيئا سالبا.
ويشير قول اللّه تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ وقوله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بصيغة الجمع إلى أنّ الموازين مختلفة بحسب أنواع الأعمال.
* فمنها مثلا ميزان يزن مقادير الإيمان والإخلاص والصّدق مع اللّه، ونقائضها.
* ومنها ميزان يزن مقادير الحبّ في اللّه والبغض في اللّه، ومقادير كراهية الحقّ، وكراهية فعل الخير وترك الشرّ، وحبّ العدوان والظلم، ونقائضها.
* ومنها ميزان يزن الإرادات والرّغبات، ومقادير شدّتها وضعفها.
* ومنها ميزان يزن مقدار الصّبر على جهد فعل الطّاعات، وترك المعاصي والمنكرات من مطالب الشهوات، ونحو ذلك.