معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 102
فمعنى وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ: ولقد جعلنا لكم في الأرض تمكينا تقدرون به على التصرّف بالمسخّرات لكم فيها.
ومن مظاهر هذا التمكين استقرار النّاس في المدن والقرى والبوادي، وقدرتهم على إنشاء المساكن والحصون والمصانع والمعامل، وقدرتهم على التسلّط على حيوانات البرّ والبحر، وقدرتهم على قطع الصّخور وخرق الجبال وتطويع الحديد وسائر المعادن، وقدرتهم على حفر الآبار العميقة جدّا، واستخراج النّفط والمياه من باطن الأرض، وغيرهما من كنوز الأرض، وقدرتهم على اكتشاف القوى الّتي أودعها اللّه في الأشياء، واستخدامها والانتفاع بها في السّلم والحرب، إلى غير ذلك من كلّ ما نجد النّاس قد قدروا عليه، وتمكّنوا منه، ممّا لا نستطيع إحصاءه.
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ: أي: ولقد جعلنا لكم في الأرض الّتي مكّنّاكم فيها ما تعيشون به.
معايش: جمع"معيشة"وهي ما يعاش به مباشرة، أو باتّخاذ الوسائل والأسباب لاستخراجه واستنباطه وتصنيعه.
العيش: هو في اللّغة الحياة. يقال: عاش يعيش عيشا، وعيشة، ومعيشا، ومعاشا، وعيشوشة، أي: حيي.
وهذه المعايش الّتي جعلها اللّه للناس في الأرض تستوجب أن يشكروا نعم اللّه عليهم بها، فهل هم يشكرون ربّهم عليها؟؟. والجواب في قول اللّه عزّ وجل يخاطب الناس جميعا:
* قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ: أي: أنتم يا أيّها النّاس بالنظر إلى مجموعكم لا إلى جميعكم تشكرون شكرا قليلا جدّا نعم ربّكم عليكم.
قَلِيلًا: صفة لمفعول مطلق محذوف مقدّم على فعله.