فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 108

المعنى الأول: التقدير، أي: تحديد مقادير كلّ شيء يراد إيجاده.

المعنى الثاني: الإبداع على غير مثال سبق، إيجادا من العدم الكلّي، أو إيجادا من موادّ موجودة، بإعطائها صفات بالتركيب والتقدير والتصوير، لم يكن لها وجود فيها وهي عناصر وأجزاء متناثرة. وهذا المعنى الثاني يدخل فيه المعنى الأوّل، إذ لا يكون إبداع لشيء مركّب من عناصر، دون تحديد مقادير أجزائه بإحكام، لقليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها.

فالمعنى: ولقد قدّرنا تكوينكم الشّامل لكلّ العناصر صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، والّتي يتكوّن منها مجتمعة في نسق متكامل هذا المركّب الإنسانيّ، بكلّ صفاته وخصائصه النفسيّة والجسديّة، المادّيّة والمعنويّة، وهذه العمليّة الّتي اشتملت على تحديد مقادير العناصر في مواقعها من البناء الكلّي، قد كانت إبداعا على غير مثال سبق.

ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ: أي: ثمّ بعد الخلق التقديريّ الإبداعيّ صوّرناكم.

تصوير الشي: جعله في صورة وهيئة خاصّة يتميّز بها عن غيره، وهذه الصورة تدرك بالحسّ الظاهر.

دلّ قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس جميعا: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ على أنّه تبارك وتعالى قد خلق آدم وخلق جميع ذرّيّاته في ظهره، ثمّ صوّرهم، قبل أن يأمر ملائكة الملأ الأعلى بالسّجود لآدم، إذ جاء العطف بقوله تعالى: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّه صوّر آدم وزوجه وذرّياتهما فأحسن صورهم، أي: جعلها في صور حسنة جميلة، فقال تبارك وتعالى في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول) خطابا للناس:

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .... (64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت