معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 109
وقال تبارك وتعالى في سورة (التغابن/ 64 مصحف/ 108 نزول) خطابا للناس أيضا بامتنان عليهم:
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. (3)
فالتصوير للصّورة الحسنة الظاهرة للإنسان الشّامل للأب الأوّل ولكلّ ذرّيّاته، قد كان بعد تحديد مقادير عناصر إنسانيّته بزمن متراخ غير مباشر لتقدير خلقه، بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ فجاء العطف بحرف العطف: ثُمَ الّذي يدلّ على الترتيب مع التراخي.
لقد خلق اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه آدم، وأودع في ظهره كلّ ذرّيّاته إلى أن تقوم السّاعة، وجعلهم متداخلين بعضهم في بعض على وفق نظام تناسلهم فيما بعد ذلك، فكان خلق آدم خلقا له ولكلّ نسله معه، وهذا يقتضي أنّ صورة كلّ إنسان موجودة في خريطة نواته الصّغرى، فقد تمّ خلق نسل آدم مع خلقه، وتمّ تصويرهم مع تصويره، وكانوا مصغرات متداخلات في ظهره، أمّا ظهور هذه الذّرّيات كائنات حيّة تتحرك على الأرض في الحياة الدنيا للامتحان، فهو ظهور لا حقّ، يتتابع حتّى آخر إنسان يولد في الحياة الدنيا.
* ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: المراد بالملائكة ملائكة الملأ الأعلى، بدليل ما جاء في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) من بيان أنّهم كانوا هم المختصمين السّائلين عن الحكمة من خلق آدم، وقد سبق بيان هذا في التدبّر التكاملي في الملحق الرابع من ملاحق سورة (ص) .
والخطاب الموجّه لملائكة الملأ الأعلى قد كان موجّها لهم ولمن كان مندسا فيهم وملتحقا بهم، وهو إبليس، بدليل استثنائه من عموم السّاجدين الآتي في الآية.
ودل حرف العطف ثُمَ على أن تكليف ملائكة الملأ الأعلى ومن