معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 110
كان مندسا فيهم وملتحقا بهم وهو ليس من نوعهم، قد كان بعد مدّة متراخية من الزمن، واللّه أعلم بمقدارها.
ودلّت نصوص قرآنية أخرى، على أنّ اللّه جلّ جلاله قد نفخ في آدم الرّوح بعد أن أتمّ خلقه وتصويره، ثمّ علّمه الأسماء كلّها، ثمّ أجرى المباراة بينه وبين الملائكة حول معرفة الأسماء، فتفوّق آدم عليهم بالعلم الّذي آتاه اللّه إيّاه وآتاه وسائل الوصول إلى معارف عن طريق الاستدلال العقليّ، متجاوزا بها المدركات الحسّيّة، ثمّ أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم، وكلّ ذلك قد كان في مراحل متفاصلة.
إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ،
دل قول اللّه تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ على أنّ في العبارة الّتي اشتملت على المستثنى منه محذوفا، ويمكن تقديره مع لوازمه الفكريّة كما يلي:
ثم قلنا للملائكة ولمن كان معهم مندسا فيهم ولاحقا بهم من الجنّ، الّذين كانوا ممكّنين من ذلك قبل بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم، فأجسامهم لطيفة قابلة للتّشكّل كأجساد الملائكة، ومنهم جنّ طيارون كالملائكة قادرون على الصعود إلى السماوات، إلّا أنّ الملائكة مخلوقون من النور، ولا يعصون اللّه ما أمرهم بالفطرة، أمّا الجنّ فمخلوقون من النار، ولديهم إرادات حرّة، وهم قد يؤمنون ويسلمون فيطيعون، وقد يكفرون فيرفضون الإيمان والإسلام والطاعة، بإرادات حرّة غير مجبورة.
والاستثناء على هذا هو من قبيل الاستثناء المتّصل، ويكون التكليف ابتداء موجّها للملائكة، وقد ألحق اللّه بهم من كان معهم مندسا في صفوفهم، وليس هو من نوعهم، فكشفه الامتحان.
وقد أثبت القرآن المجيد أنّ إبليس كان من الجنّ ففسق خارجا عن أمر ربّه، وعن واجب طاعته، في توجيه الأمر له بالسّجود لآدم، ولا يصحّ