معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 111
أن يحاسب اللّه إبليس على عدم السّجود لآدم، ما لم يكن داخلا في عموم خطاب التكليف.
وعبارة لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ تدلّ على قضيّتين:
القضية الأولى: أنّه لم يسجد فلم يكن من ضمن السّاجدين، ولكنّ هذا المعنى قد فهم من الاستثناء، فالعبارة على هذا بمثابة توكيد لما هو مفهوم من العبارة السّابقة لها.
القضية الثانية: أنّ إبليس لم يكن من نوع السّاجدين، إذ هم أحياء من نوع الملائكة المعصومين عن المعصية بالفطرة، وهو من نوع الجنّ ذوي الإرادات الحرّة المخيّرين للابتلاء بين الطاعة والمعصية.
ودلالة العبارة على هذه الحقيقة دلالة تأسيسيّة، وبحمل العبارة على المعنيين معا، نستفيد دلالة تأكيديّة، ودلالة تأسيسيّة.
ويؤكّد فهم القضية الثانية من العبارة قول اللّه عزّ وجل في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 54 نزول) :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ: (31)
أي: أبى أن يكون ساجدا مع السّاجدين من ملائكة الملأ الأعلى، بمقتضى مخالطته لهم، ودخوله بينهم، والتحاقة بهم، ولو لم يكن من نوعهم في أصل خلقه وطبيعته.
ومن النّصّين تتكامل الفكرة المراد بيانها، فهو لم يكن من نوع السّاجدين، في أصل تكوينه، وأبى أن يشاركهم في السّجود فيكون معهم، بمقتضى كونه أنتمى إليهم، والتحق بهم، وصار يعبد اللّه مثل عبادتهم، وشمله أمر السّجود.