معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 113
وبالتضمين الإيجازيّ البديع، جاءت العبارة: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ واختصارا في التقدير نقول: ما منعك فحملك على ألّا تسجد، ولا مانع من تقدير فعل نظير فعل"حمل"كفعل"دعا"مما ينسجم مع عبارة"ألّا تسجد". بهذه العبارة أبان اللّه تعالى أنه سأل إبليس عن المانع له من السّجود، وعن الحامل له على عدم السّجود، واعتبار"لا"زائدة لا يستقيم مع كمال الإعجاز القرآني.
إِذْ أَمَرْتُكَ: أي: وقت أمري إيّاك بالسّجود مع من أمرت من ملائكة الملأ الأعلى، الّذين دخلت فيهم، واعتبرت نفسك واحدا منهم، فأبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الجلسة لإبليس بهذا السؤال مخالفته لواجب طاعة العباد لربهم فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، بمقتضى أنّه إلههم الذي يجب عليهم أن يعبدوه، ومن عبادتهم الأولى له بعد الاعتراف له بربوبيّته وإلهيّته، أن يطيعوه في أوامره ونواهيه، لكنّ إبليس لم يعتذر بأنّه لم يكن يعلم أنّ أمر اللّه موجّه له ضمن من هو معهم من الملائكة، بل أصرّ على عناده، ولم يراجع نفسه، وأعلن بهذا الإصرار أنّه غير مؤمن بإلهيّة اللّه له، وأنّه معترض على أمر اللّه له بالسّجود لآدم، ولهذا الاعتراض لوازم كفريّة متعدّدة.
فبماذا أجاب إبليس ربّه؟
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. (12)
أي: لم يكن أمرك لي بالسّجود لآدم أمرا حكيما، وليس من حقّك أن تكلّفني أن أحترم بالسّجود من هو أدنى منّي في العناصر الّتي خلقته منها، فطبيعة النّار الّتي خلقتني منها، أشرف من طبيعة الطّين الّتي خلقت آدم منها.
هذا الادّعاء من إبليس قائم على فريتين، قاعدتهما التوهّم الباطل، ودافعهما الكبر وحبّ الاستعلاء ولو بغير حقّ.