معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 114
الفرية الأولى: أنّ من كان مخلوقا من عنصر أو عناصر أشرف، كان هو أشرف دواما، ولو ظهرت منه بعد خلقه قبائح ومنكرات وأشياء خسيسة، لم تظهر ممّن كان مخلوقا من عناصر أقلّ قيمة من عناصره التي خلق هو منها، ولو ظهرت منه بعد خلقه فضائل ومزايا ومحاسن عظيمة، لم يأت بمثلها ذو العنصر الأشرف.
وهذه الفرية هي أساس الاستعلاء والاستكبار بالأعراق والأصول، القائم على ادّعاء التّفاضل العرقيّ الذي يسري إلى الفروع، وفروع الفروع، ولو فسدت ونجم عنها ضرّ كبير، وشر مستطير.
الفرية الثانية: أنّ عنصر النّار أشرف من عنصر الطّين، وهذا ادّعاء توهّميّ باطل.
فالنار ذات نفع بحرارتها. لإنضاجها الأشياء، واستخدامها في منافع كثيرة، وذات ضرر عظيم وخطر جسيم، حينما تحرق وتتلف وتهلك.
والطّين ذو نفع عظيم جدّا حينما يكون عنصرا لإنبات الزروع والثمار، وسائر نباتات الأرض النافعات للأحياء في غذائهم، ودوائهم، ومصالح حياتهم الكثيرة، وحينما يكون بيئة صالحة لإمداد الأشجار الباسقات، حتّى تكون جنّات وارفات الظلال.
والطين لا يعطي عطاءه العظيم حتّى يأخذ حظّه من الحرارة الناريّة بالمقادير المحدّدة في سنن التكوين الرّبّانيّة.
ومع حاجة كلّ من النّار والطين إلى العنصر الآخر منهما للتّزاوج، في تشارك تكامليّ، فإنّ النسبة النفعيّة الّتي تستفاد من الطين أكثر من النسبة النفعيّة الّتي تستفاد من النار، ومع هذا فلا يصحّ اعتبار عنصر الطّين أشرف من عنصر النار، ولا العكس، لأنّ كلّا منهما في سنن اللّه التكوينيّة لا يتحقّق الانتفاع به إلّا إذا امتزج بالآخر أو اتّحد به، ضمن المقادير النافعة غير الضارّة.