فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 121
انتصب لفظ"صراط"لتضمين فعل"أقعد"معنى فعل"ألازم"على أنّه مفعول به، فأغنى هذا التّضمين عن التصريح بجملتين، إذ الجملة الأولى حذف معمولها، والجملة الثانية حذف لفظ فعلها، وضمّن الفعل المذكور معناه، والتّقدير: لأقعدنّ عند صراطك، ملازما إيّاه"."
والتّضمين ظاهرة قرآنيّة هي من عناصر إبداعه البياني.
واللّام في: لَأَقْعُدَنَ واقعة في جواب قسم محذوف، فيكون تقدير الكلام:
فبسبب حكمك عليّ بالغواية، أقسم لأقعدنّ لإغوائهم ملازما صراطك المستقيم.
أبان إبليس بقعوده معنى التمكّن، وأضاف إليه معنى الملازمة، فتمّت له المرابطة بكامل عناصرها.
لم يكن لإبليس أن يعطي العهد على نفسه بهذه المرابطة، لو لا أنّه لاحظ ذرّيّته الأبالسة، وجنوده من شياطين الجنّ والإنس، بدليل قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا. (50)
وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الشّعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) بشأن مصير الغاوين، والمشركين في الجحيم، وجنود إبليس أجمعين:
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ. (95)
إنّ المرابطة بتمكّن وملازمة وترصّد، هي أوّل شروط أعمال الإغراء والإغواء، للإبعاد والصّرف عن صراط اللّه المستقيم.