فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 133
وهذا أدعى للاستجابة، والاندفاع إلى ما تدعو إليه الوسوسة، باعتبار أنّ الدّاعي شيء من ذات النّفس، لا من جهة أخرى تأمر وتنهى وتغري.
وبعد أن حذّرنا اللّه عزّ وجلّ من وساوس الشياطين، فإنّنا نعرف بتجاربنا كيف تكون وساوس الشّيطان في صدورنا، إذ نشعر بأنّها من قبيل أحاديث النّفس الّتي تنزع بنا إلى الإثم والمعصية للّه عزّ وجلّ، وتنصرف حين نذكر اللّه ونستعيذ به، وذلك بحركة خنوس مؤقّت، وترجع إلى الوسوسة عند الغفلة.
وأمّا كيف وسوس الشيطان لآدم وزوجه في الجنّة، فقضيّة من قضايا الغيب الّتي لم يرد في النّصوص الإسلاميّة الصّحيحة بيان عنها، فلا داعي لإيراد إسرائيليّات لا نعلم مدى الصّدق في واحد منها، ولا لإيراد أخبار ليست مرويّة عن المعصوم.
لكنّنا علمنا من دلالات نصوص القرآن المجيد، أنّ اللّه عزّ وجلّ قد مكّن إبليس من وسائل دعوة آدم وزوجه لمعصية ربّهما، حتّى أكلا من الشجرة المحرّمة، ومكّن إبليس وجنود من شياطين الجنّ من وسائل دعوة ذرّيّاتهما لمعصية اللّه حتّى أخسّ دركات الكفر، دون أن يكون لهم سلطان على أيّ واحد منهم، يلغي إرادته الحرّة، أمّا من كان غاويا واتّبع الشيطان فإنّه هو الذي مكّن الشيطان من أن يكون له عليه سلطان.
ولمّا كان إسكان آدم وزوجه الجنّة إسكان امتحان واختبار، لا إسكان خلود واستقرار، كان تمكين اللّه عزّ وجلّ لإبليس من أن يوسوس لهما بوسيلة ما، ولو بدخول الجنّة دخول غير ساكن ولا مستمتع، امرا منسجما مع الحكمة الرّبانيّة، ولا يتنافى مع قضيّة من قضايا صفات الجنّة.
والاعتراض بأنّ إبليس طرد من الجنّة، اعتراض غير وارد، لأنّه ليس في النّصوص ما يعيّن أنّ طرد إبليس قد كان طردا من الجنّة، بل الاحتمال