فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 134
الّذي تدلّ عليه سوابق النّصوص ولواحقها ومفهوماتها العامّة، هو أنّ طرده قد كان من منازل القرب من اللّه الّتي يحظى بها أهل الملأ الأعلى من الملائكة.
والاعتراض بأنّ من دخل الجنّة لا يخرج منها، اعتراض غير وارد أيضا، لأنّ النّصوص تثبت أنّ من دخل الجنّة يوم الدّين بعد الحساب، وفصل القضاء، وكان دخوله جزاءا على ما قدّم من عمل في الحياة الدّنيا، هو الذي يكون خالدا فيها، أمّا من دخلها دخول امتحان واختبار، أو مكّنه اللّه من دخولها للاطلاع، أو القيام بعمل من الأعمال المشمولة بخطّة اللّه التكوينيّة العامّة، ولتحقيق حكمة من حكم اللّه في خلقه، فإنّه لا خلود له فيها، ما لم يقض اللّه له بالخلود بقضاء خاصّ.
ولهذا أخرج اللّه آدم وحواء من الجنّة لمّا عصيا، إذ أكلا من الشجرة الّتي حرّم اللّه عليهما الأكل منها.
ونتساءل: ما موقع الّلام في عبارة: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ مع أنّ فعل"وسوس"لازم لا يتعدّى، إذ هو بمعنى: أحدث همسا خفيا، أو صوتا خفيا يتضمّن حديثا.
أقول: إنّ فعل"وسوس"ضمّن معنى فعل"سوّل"فعدّي تعديته، فأغنت العبارة المختصرة عن جملتين، أي: وسوس وسوّل لهما.
التّسويل: التّحسين والتّزيين، والتّحبيب بالأمر. والإغراء به، وتهوينه وتسهيله.
يقال لغة: سوّل له الشيطان، أي: حسّن له وزيّن، وحبّب إليه أن يفعل أو يقول ما فيه معصية للّه عزّ وجلّ.
فيكون المعنى: أحدث وسواسا، بصوت خفيّ، تضمّن تسويلا لهما، بتحسين وتزيين الأكل من الشجرة الّتي حرّم اللّه عليهما أن يأكلا منها.