فهرس الكتاب

الصفحة 2229 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 135

وجاء في النصّ الذي في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) في معرض الحديث عن آدم وقصّته:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى. (120)

فجاء في هذه الآية استخدام حرف"إلى"بدل حرف"اللّام"المستخدم في النصّ الذي من (الأعراف) وجاء فيها أيضا الحديث عن آدم وحده منفردا عن زوجته. فما الحكمة من هذا الإجراء؟

أقول: دلّ ما جاء في سورة (طه) على أنّ الشّيطان لم يوسوس لآدم في أوّل الأمر بصورة مباشرة، بل كان يتّخذ وسائل بعيدة عن الوسوسة المباشرة، وهي في آخرها تحدث الوسوسة، دلّ على هذا استخدام حرف"إلى"المشعر بطول المسافة بين بدء الشيطان بحركته وبين حدوث الوسوسة، ودلّ عليه أيضا استخدام أسلوب العرض الاستفهاميّ في العبارة الإغرائية: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى فهي عبارة تثير الشّوق إلى المعرفة، وليس فيها إشارة ما إلى الشجرة الّتي نهى اللّه عزّ وجلّ عن الاقتراب منها، وهذا العرض يشعر بأنّ إبليس لا يعلم شيئا عن أنّ اللّه حرّم على آدم وزوجه أن يأكلا من الشجرة، فدلّ على أنه خالي الذهن تماما من هذا الموضوع، وهو كاذب ماكر.

فما جاء في سورة (طه) بيان للمحاولة الأولى من محاولات الشيطان، تلتها محاولات أخرى في خطوات شيطانيّة تهبط في الدركات.

ولمّا أدرك الشّيطان أنّه قد غرس في نفس آدم الرّغبة في الظّفر بالخلد وبملك لا يبلى، اقترب شيئا فشيئا حتى صار يوسوس لآدم وزوجه بطريقة مباشرة، دون استخدام وسائل بعيدة، لقد اتخذ إبليس حيلة التشويق للرّبط، حتى وقع على المغمز الملائم لصيد الفريسة فأمسك به، وقد دلّ على هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت