فهرس الكتاب

الصفحة 2232 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 138

لهما انطلاق الملائكة في السّماوات بأجساد نورانيّة، أو أن يكونا خالدين فيما هما فيه من نعيم في الجنّة، إذ كانا يعلمان أنّهما في سكنى ابتلاء، لا في سكنى دوام وبقاء.

عندئذ زرع الشّكّ في قلوبهما حول الغرض من نهي اللّه لهما عن أن يأكلا من الشجرة المحرّمة، فجاء هذا النّصّ مبيّنا هذه الحيلة الشّيطانيّة، إذ كان قد أشعرهما بأنّه لا يعلم شيئا عن أنّ اللّه قد حرّم عليهما أن يأكلا منها، لو لا أن علم ذلك منهما.

أي: وقال لهما مع ما قدّم لهما من إغراءاته وتسويلاته: ما نهاكما ربّكما عن الأكل من هذه الشجرة، إلّا منع أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

وربّما قال لهما إنّ الملائكة لم يصيروا نورانيّين ينطلقون في السّماوات بأجساد نورانيّة إلّا بعد أن أكلوا من هذه الشجرة.

هذه هي الفكرة الإبليسيّة القديمة المكفّرة، الّتي تجعل للأشياء طبائع ذاتيّة أصليّة ثابتة، وأنّ اللّه يخلق من خلالها.

ومن يسقط في أوهام هذه الفكرة الباطلة، يغترّ بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل تصاريف خلقه مقيّدة بالأسباب، مع أنّه هو الّذي وضعها بحكمته في الأشياء، ليمتحن عباده في الإيمان به خالقا من قنوات الأسباب، وأنّ الأسباب ليست إلّا أوعية يمرّ الخلق الرّبّانيّ من خلالها، ولو شاء اللّه جلّ جلاله لخلق ما شاء دون أن يمرّ خلقه من ظواهر الأسباب، ولأوجد من العدم المطلق بكلمة:"كن"ما شاء من أكوان، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن، فهو يكون بأمر التكوين.

إنّ إبليس لمّا رفض السّجود لآدم علّل رفضه بأنّ عنصر النّار بطبيعتها الذّاتيّة أشرف من عنصر الطين، فليس من الحكمة تكليف من هو أشرف في عنصره، أن يسجد لمن هو في عنصره دونه شرفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت