فهرس الكتاب

الصفحة 2233 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 139

وفي تسويله لآدم وزوجه، زعم لهما كاذبا أنّ عنصر الشّجرة المحرّمة، يحوّل الآكل منها إلى ملك نورانيّ يعبر أقطار السّماوات بخفّة الأنوار، أو الأرواح المجرّدة، أو يجعله خالدا يعيش أبدا دون أن يدركه الموت، وأوهمهما أنّ اللّه لا يريد لهما أن يكونا ملكين، أو من الخالدين، فحرّم عليهما أن يأكلا من هذه الشّجرة، وألقى في تصوّرهما أنّه يوجد في الكون مخلوقون خالدون، بقوله لهما: أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ.

لا شكّ أنّ قبول هذه الفكرة الشيطانية يوقع في إحدى معصيتين، هما من أكبر الكبائر الاعتقادية.

فإن قبلا فكرة أنّ الشّجرة ذات عنصر ذاتيّ فعّال في أن يكونا ملكين، أو يكونا من الخالدين، فقد جعلا طبائع الأشياء شركاء للّه في كونه، وما نظنّ أنّ آدم وزوجه قد سقطا في هذه الكبيرة الشّركيّة.

وإن تصوّرا أنّ اللّه عزّ وجلّ هو الّذي جعل في الشّجرة هذه الميزة الخاصّة، وأنّه حرّم عليهما الأكل منها لئلّا يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين، فقد وقعا في غفلة أنّ اللّه مطّلع عليهما، عليم بكلّ حركة يتحرّكانها، وكلّ سكنة يسكنانها، وأنّه لو كان لهذه الشّجرة هذه الميزة بخلق اللّه، واللّه لا يريد أن يكونا ملكين، أو يكونا من الخالدين، فإنّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، لا يمكّنهما من الأكل منها، إذا أرادا مباشرة ذلك، أو يسلب الشّجرة ميزتها، فإرادة اللّه تبارك وتعالى لا يمكن معارضتها.

والّذي أوقعهما في هذه الغفلة شدّة رغبتهما بأن يكون ملكين، أو بأن يكونا خالدين. ومعلوم أنّ شدّة الرّغبة تتحوّل إلى هوى، ومن شأن الهوى أن يغشّي على مراكز التفكير الصحيح، ويجعل الإنسان يتصرّف بموجّه من رغبات نفسه، لا بموجّه من فكره وعقله وإيمانه، ومن هنا يسقط المؤمنون في أوحال المعاصي والخطايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت