فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 140

ووجم آدم وزوجه عن قبول ما سوّل إبليس لهما به، فلجأ إبليس إلى حيلة حلف الأيمان المؤكّدة، فشرع يقسم لهما بربّه كاذبا، ويؤكّد أقسامه، ويقول لهما: إنّي لكما لمن النّاصحين.

وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. (21)

فعل"قاسم"من الصّيغ الّتي تدلّ على المشاركة، ولكنّها قد تخرج عن هذه الدّلالة، للدّلالة على المبالغة والتّشديد، في مضمون الحدث الذي دلّ عليه الفعل، والظاهر أنّ عبارة وَقاسَمَهُما من هذا القبيل، أو أنّهما طلبا منه أن يقسم على ما ذكر لهما، فأقسم كاذبا مفتريا، ولم يكن لآدم وزوجه خبرة سابقة بالكذّابين المنافقين المفترين، لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد حذّرهما من مكايده بصورة عامّة فلا عذر لهما.

ولم يكتف إبليس بالتّشديد في القسم، بل شدّد أيضا في تأكيد المقسم عليه بعدّة مؤكّدات هي:"إنّ- والجملة الاسمية- واللّام المزحلقة"في قوله: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ.

وعلى الرّغم من كلّ هذه التأكيدات فإنّ آدم زوجه لم يسرعا في الاستجابة لدعوته وتسويلاته.

فاتّخذ إبليس معهما أسلوب الخطوات الإزلاقيّة المتتابعة، والتّدلية شيئا شيئا في بئر المعصية، ومع كلّ مرحلة من مراحل التّدلية إغراءات من منابع التغرير والخداع والإطماع بالباطل.

دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ:

فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ... (22) ،

فَدَلَّاهُما: أي: فبعد أن شدّد في الحلف لهما، وأكّد لهما أنّه لهما لمن النّاصحين، أخذ ينزلهما شيئا فشيئا في بئر المعصية، أو مهواة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت