معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 144
* وَناداهُما رَبُّهُما: النّداء برفع الصوت ومدّه إنّما يستعمل لتبليغ البعيد، أو من هو منزّل منزلة البعيد.
ويظهر أنّهما لمّا عصيا واكتشفا أثر المعصية ببدوّ سوءاتهما إبتعدا عن مكان شجرة الابتلاء الّتي أكلا منها، وأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنّة استحياء من اللّه جلّ جلاله.
فخاطبهما اللّه بحسب حالة أنفسهما، فناداهما.
* .. أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) :
اشتملت هذه العبارة في جلسة محاكمة آدم وزوجه على معصيتهما على استفهام تقريريّ من شقّين، فيهما معنى الإنكار عليهما:
الأوّل: استفهام لانتزاع إقرارهما، بأنّ ربّهما قد نهاهما عن الاقتراب من الشجرة المحرّمة، والأكل منها، وقد خالفا فاقترفا معصيتهما.
والإجابة الصّادقة على هذا الاستفهام تكون بعبارة:"بلى"لأنّ الاستفهام مسلّط على منفيّ، مع أنّه في الواقع لم يكن منفيّا، بل كان أمرا حقّا، فقد نهاهما اللّه عزّ وجلّ عن أن يقربا منها، فخالفا نهيه.
الثاني: استفهام لانتزاع إقرارهما، بأنّ ربّهما قد حذّرهما من إبليس الشيطان، ومن مكايده، وأبان لهما أنّه عدوّ مبين لهما، وأنّه سيسعى بكلّ ما لديه من حيلة ووسيلة، لإسقاطهما في الخطيئة، التي تكون سببا في معاقبتهما بالإخراج من الجنة. وقد ذكر اللّه إبليس باسمه الجديد: الشيطان والإجابة الصادقة على هذا الاستفهام تكون أيضا بعبارة"بلى"لأنّه مسلّط على منفيّ، والواقع لم يكن منفيّا، بل كان أمرا حقا، وقد خالفا مقتضى التحذير فاستجابا لتسويلاته فسقطا في الخطيئة.