معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 146
واستعطافا، وأبانا في اعترافهما أنّهما ظلما أنفسهما، باعتبار أن معصيتعهما لم تضرّ اللّه شيئا، بل هما بمعصيتهما الجانيان، وهما المجنيّ عليهما، إذ عرّضا أنفسهما للعقوبة الّتي يخسران بها البقاء في الجنّة، ويتحمّلان بها متاعب الشّقاء في رحلة الابتلاء في الأرض.
واستجديا المغفرة، ورحمة زائدة على المغفرة، بطريقة مليئة بالتّذلّل والأدب مع ربّهما.
ورجّحا في هذا الموقف جانب الرّجاء، باستعمال حرف الشرط"إن"الذي يستعمل في المشكوك فيه، فقالا: ... وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فحرف"إن"دخل على المنفيّ، وهذا المنفيّ مشكوك فيه، فيكون نقيضه مرجوّا، وهو المغفرة، والرّحمة الزائدة عليها.
* لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ: هذه الجملة جواب الشرط"إن"وقد جاءت مؤكّدة على تقدير وقوع الشرط وهو عدم المغفرة وعدم الرحمة، لكنّ وقوع هذا الشرط مشكوك فيه، إذ المرجوّ أن يغفر اللّه لهما ويرحمهما.
مِنَ الْخاسِرِينَ: أي: من ضمن جماعات الخاسرين الّذين خسروا أنفسهم من قبلنا، كإبليس وسائر كفرة الجنّ، ومن بعدنا من الجنّ ومن ذرّياتنا من الإنس.
عندئذ أصدر اللّه عزّ وجلّ حكمه عليهما:
* قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ. (24)
وفي هذا الحكم الصّادر عليهما، وعلى ذرّيّاتهما الّذين سيتناسلون منهما، نقل لرحلة الابتلاء من الجنة، المعدّة في الخطّة الربّانية لأن تكون إحدى داري الجزاء، إلى الأرض التي نحن الآن فيها، والمعدّة في أصل الخطّة الرّبّانيّة، لأن تكون هي مكان الابتلاء.