فهرس الكتاب

الصفحة 2241 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 147

وبإسكان آدم وزوجه أوّلا في الجنّة، أعلمنا اللّه عزّ وجلّ عن طريق التّجربة، أنّ الحكمة تقضي بأن لا تكون الجنة هي دار الابتلاء والامتحان، بل ينبغي أن تكون دار جزاء فقط.

وأعلمنا أيضا أن المسكن الدائم للإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم هي جنّات النعيم، بشرط أن يجتاز رحلة امتحانه بنجاح، ولو من أدنى الدّرجات، الّتي يكافأ عليها بأدنى درجات الجنّات، وشرط استحقاق دخول الجنة والخلود فيها هيّن سهل، إنّه الإيمان بربوبيّة اللّه لكونه، وبإلهيّته لعباده، دون أن يشرك الممتحن من العباد باللّه شيئا في ذلك، مع قيامة بما يدلّ على أنّه غير مستكبر ولا متمرّد على طاعته.

أمّا من أخلّ من العباد الممتحنين بهذا الشرط، فالحكمة تقضي بمعاقبته في دار عذاب معدّة للكافرين المجرمين الّذين يقضى عليهم بأن يخلدوا فيها.

ومن عصى غير مستكبر ولا متمرّد على طاعة ربّه في التكاليف العملّية، فإنه يستحقّ العقاب بالعدل على مقادير معاصيه، إذا لم يشمله عفو اللّه أو غفرانه.

وبتقديم تجربة الامتحان في الجنّة والإخراج منها بالمعصية، يكشف اللّه عزّ وجلّ لنا، أنّ الحكمة الّتي ينبغي أن يعمل بها دواما، تقضي أن يكون الامتحان في مكان ما أخر خارج الجنّة، لتكون الجنّة بعد ذلك ثوابا وجزاء لمن يكون أهلا للخلود فيها.

فالخلود السّعيد لا يكتسب بالأكل من شجرة، أو مادّة ما فيها إكسير الخلود السّعيد، وإنّما يكون بالعمل الإراديّ الذي يتحقّق به رضوان اللّه ربّ الأكوان، والمهيمن على كلّ شيء فيها بعلمه وحكمته وقدرته، والمجري أحداثها بقضائه وقدره وخلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت