فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 161
وكان إبليس الشيطان يعلم أنّ نزع لباس التقوى، من آثاره الّتي قضاها اللّه في خطّة اختباره لهما نزع لباس الجسد عنهما، الّذي تنكشف به سوءاتهما عند فروجهما وما حولها، فيكون ذلك افتضاحا مادّيّا لهما بسقوطهما في معصية ربّهما.
فإذا أراهما سوآتهما الجسديّة والنفسيّة، شفى غيظه بإشعارهما وإشعار الملائكة أنّهما لم يكونا أفضل منه، إنّه سبق أن عصى أمر ربّه له بالسّجود لأدم، وها هما قد عصيا نهي ربّهما لهما عن الأكل من الشجرة. إنّه طرد واستحقّ عذاب النار خالدا فيها، فهو حريص على طردهما وذرّياتهما واستحقاقهم عذاب النار.
ويبدو أنّ الرّبط بين لباس التقوى النفسيّ الإرادي السّاتر للسوآت النفسيّة، وبين لباس الجسد السّاتر لسوآت الجسد، قد جيء به للدّلالة على أنّ كلّ سلوك إراديّ باطن من خير أو شرّ، له أثر ما يدلّ عليه في ظاهرات الأجساد، قد لا يدركه إلّا أصحاب الفراسة الإيمانيّة، من المتقين والأبرار والمحسنين.
* إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ: أي: يا بني آدم إنّ إبليس الشيطان يراكم هو وقبيله من شياطين الجنّ، من أمكنة يكونون معكم فيها، وأنتم لا ترنهم.
والسّبب في هذا أنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته، قد جعل أبصار الإنس محدودة الرّوية، فهي لا ترى الهواء مثلا، ولا ترى أجساد الملائكة النورانية، ولا أجساد الجنّ الشّفّافة النّاريّة بحسب العادة، ولا الحيوانات الدقيقة الصغيرة كالجراثيم، والميكروبات، والفيروسات، دون مكبّرات مجهريّة لها.
وهذا من نظام اللّه في خلق الإنس والجنّ والملائكة.