فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 167
قُلْ ... إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ .... (28)
أي: إنّ الفحشاء سبيل سيّئ قبيح، وله عواقب ضارّة في الأفراد وفي المجتمعات البشريّة، ومن المؤكّد الذي لا مجال فيه للشّكّ أنّ اللّه العليم الحكيم لا يأمر بالفحشاء.
ولمّا كان في المخاطبين من أهل الجاهليّة في عصر الرّسول محمد صلى اللّه عليه وسلم من يقولون مثل مقالة أهل الجاهليات القديمات، علّم اللّه جلّ جلاله رسوله أن يقول لهم: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وعلّمه أيضا أن يقول لهم مستنكرا وموبّخا: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟!!
أي: أتقولون ما لا تعلمون بوسائل إثبات صحيحة كذبا وافتراء على اللّه: إنّ اللّه يأمر بالفحشاء.
في هذه العبارة توجيه السؤال لهم بأسلوب الاستفهام الإنكاريّ التوبيخيّ، ومعناه الإنكار عليهم، وتوبيخهم على مقالتهم الشنيعة على اللّه، الّتي ليس لديهم علم ما بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد قالها.
أمّا فعل آبائهم للفاحشة حتّى صارت من الظواهر التّقليديّة في مجتمعاتهم الجاهلية، فهو لا يصلح لأن يكون دليلا على أنّ الفحشاء من أوامر الدّين لدين صحيح منزّل من عند اللّه عزّ وجلّ، بل هو من الظواهر البشريّة التي انحرف الناس فيها عن الدّين الرّبّانيّ الصّحيح، واستحبّتها نفوسهم لأنّها تعطي شهواتهم انطلاقها دون قيود ولا حدود.
ومن بؤرة شهوات الفروج الحيوانيّة، يستغلّ شياطين الجنّ والإنس مغامز الضعف البشريّ لإخراج الناس عن صراط اللّه المستقيم، ويزيّنون لهم ذلك بما يسمّونه بنظريّات علميّة نفسيّة، أو اجتماعيّة، أو اقتصاديّة، أو فلسفيّة، وبما يقدّمونه من أكاذيب تاريخيّة أو دينيّة، أو غير ذلك، عدا ما يهيّئون لهم من بيئات إثارة وإغراء واستنزال إلى الخطيئة، ومعصية اللّه جلّ جلاله.