فهرس الكتاب

الصفحة 2264 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 170

ومن هذا ندرك أيضا أنّ ثاني تحريف في الدّين ظهر في بني آدم، هو الإذن بظلم طبقة في المجتمع الإنسانيّ لطبقة، وظلم أشخاص الرّؤساء والقادة وكبراء القوم لسائر المجتمع.

ثمّ ظهرت طبقة السادة والعبيد، فبالتحريف الشيطانيّ للدّين، أعطي هذا الظّلم مسوّغات دينيّة افتراء على اللّه، واستمرّت الجاهليّات البشريّة تتوارث هذه المسوّغات المفتريات على الدّين الرّبّاني، لظلم بعض طبقات وأفراد المجتمع لبعض، حتّى المجتمع الجاهليّ الّذي بعث فيه الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم، فجاء قول اللّه له: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ مبيّنا الحكم الدّينيّ منذ عهد الرّسالة الأولى لبني آدم الأوّلين، في قضايا الحقوق بين الناس، وهو العدل، وهذا الحكم غير قابل للتغيير ولا للنّسخ بمقتضى حكمة اللّه، ما دام في الكائنات أفراد يمكن أن يظلم بعضهم بعضا، ويعتدي بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم بالقوّة أو بالحيلة حقّ بعض، وهو يعلم أنّه ظالم.

أي: ودبّ في بني آدم العدوان والظّلم، وبتطاول العهد أعطى شياطين الإنس والجنّ هذا العدوان مسوّغات منسوبة إلى الدّين، تحريفا في دين اللّه، وافتراء على اللّه جلّ جلاله. وتوارث كثير من النّاس هذا التحريف، ومنه مقالة اليهود بالنسبة إلى الذين يتعاملون معهم من سائر الأمم: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ: أي: لا نحاسب إذا ظلمناهم، وأكلنا حقوقهم، وسلبنا أموالهم، أو قتلنا منهم.

ثمّ مع تكاثر بني آدم، واجتماعهم في بيئة أو بيئات يتنافسون فيها على ما يكون به معاشهم ورفاهياتهم، مع وسائل تحصيل مطالب الحياة المختلفة، إذ قلّت الوفرة الكبيرة الكثيرة الّتي كانت في الأرض منذ بدء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت